• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانية واحدة

آفة ثورتنا المصرية في ضعف ذاكرتها، وأنها لا تستحضر جيدا تاريخ ومواقف المؤسسات والجهات الدينية والثقافية في موقفها من الثورة ضد الاستبداد، فالعجيب أن كثيرا من الناس تعجب من موقف الكنيسة المصرية من حيث تأييدها للعسكر، وحشدها لرعاياها في أمريكا لاستقبال السيسي، ولو كلفوا أنفسهم قراءة مواقف الكنيسة لزال عجبهم.

اقرأوا تاريخ الثورات المصرية، وموقف الكنيسة المصرية من حكم العسكر، ستجدون إجابة واضحة لا لبس فيها، ملخصها: أن الكنيسة المصرية في العصر الحديث مواقفها دوما ضد ثورة الشعب سواء كان ضد الاحتلال، أم ضد الحكم العسكري، ومشاركة بعض رموز الكنيسة المصرية في ثورة 1919م، كانت مشاركة شخصية، وليست مشاركة مؤسسية، أما موقفها الرسمي، فيوضحه بيان صدر في أوج اشتعال الثورة، وسفك الإنجليز المحتلين لدماء الشعب المصري الثائر، فقد شاركت الكنيسة في إصدار بيان يطالب الشعب بالهدوء، وعدم الثورة، محذرين من مغبة الاستمرار في ذلك، بينما لم تكتب حرفا يدين الاحتلال الإنجليزي وما يمارسه من قتل، وشارك في البيان شيخ الأزهر، ومفتي مصر (نسخة قديمة من بيان الثالث من يوليو لكن بإخراج قديم)، وقد ذكر تفاصيل البيان وما احتوى من مطالبات سيئة من طرف كاتبيه ضد المصريين، المؤرخ المصري الكبير عبد الرحمن الرافعي في كتابه (ثورة 1919) ص: 277-280.

وعندما جاء حكم العسكر لمصر سنة 1952م، بدأت جماعة (الأمة القبطية) تتكون وتتأسس، ويشتد عودها، وتظهر للعيان، ولم يقم الحكم العسكري نحوها بأي إجراء، سوى ترك القضاء ليصدر حكما بحلها سنة 1954م، رغم أنها قامت باختطاف بابا الكنيسة البابا يؤانس الأول، وإجباره على توقيع تنحيه عن منصب البابا، وبدأ هذا التنظيم يعمل دون أي إجراء يتخذ من حكم العسكر ضده.

بل رأينا حكم عبد الناصر (الحكم العسكري) الذي يروج البعض أنه كان مضيقا على الكنيسة المصرية، وهو كلام عاري تماما عن الصحة، ويكفي العودة لتقرير بلدية القاهرة سنة 1957م، والذي نقل عنه الشيخ محمد الغزالي في كتابه (كفاح دين)، تقريرا خطيرا جعل الكتاب ممنوعا من النشر لدى النائب العام، لأنه ذكر حقائق مرعبة عن موقف الحكم العسكري من المساجد والكنائس، ففي عام واحد تم هدم ما يقرب من عشرين مسجدا في القاهرة بدعوى تجميلها، وتحويل عشرات المساجد من مساجد القاهرة الفاطمية إلى خرابات ومقالب زبالة، وفي منطقة كمصر الجديدة، قام بإحصاء رسمي لعدد الكنائس والمساجد التي بنيت، فكانت كالتالي: 34 كنيسة، و: 7 مساجد فقط، إلى تفاصيل أخرى مؤلمة تبين تحيز العسكر للكنيسة. أما أوقاف المسلمين فقد صودرت ولم ترد إليهم، بينما رد حكم العسكر كل أوقاف الأقباط للكنيسة.

ولا يختلف حكم العسكر حتى في عهد السادات، الذي بدا للسطح أن لها خلافا مع الكنيسة، بينما هو خلاف مع البابا شنودة شخصيا، أحد أبرز مؤسسي جماعة الأمة القبطية، هذا التنظيم الذي حول الكنيسة والأقباط من ملف ديني، إلى ملف سياسي، يلاعب به الحكومات المتعاقبة والحكام في حكم العسكر.

ولم يختلف موقف الكنيسة في عهد مبارك عن سابقيه، فالتحالف القوي بينها وبين حكم العسكر يحقق كل طموحاتها بعيدا عن مصلحة الوطن، وكان النموذج الأبرز في ذلك قضية وفاء قسطنطين، زوجة الراهب التي أسلمت، وقد تسلمتها وزارة الداخلية، لتفرج عنها بعد زيارة قساوسة لها وفشلهم في إقناعها عن العودة للمسيحية وترك الإسلام، واتصل البابا شنودة نفسه بمبارك وكان في المغرب وقتها، وكان قرار رجل الأمن الممسك بها تركها وحال سبيلها، لكن الأوامر جاءت بتسليمها للكنيسة، ولم تجد المرأة المسكينة سوى أن تهوى على قدم المسؤول راجية إياه أن يتركها ودينها، وأنها مسلمة فكيف يسلمها للكنيسة؟! لتحدث أول نادرة في تاريخ الدول، والتي في الأصل أن يسلم الإنسان من مكان شخصي للدولة، لكن أن يحدث العكس أن يسلم الشخص من الدولة لمكان شخصي وهي الكنيسة، فتلك كانت النادرة التي تدل على عمق التحالف بين الكنيسة والعسكر، بعد سيطرة تنظيم (جماعة الأمة القبطية) على مقاليد الكنيسة.

وكانت الأمور في عهد مبارك، هي مجرد محاولة زيادة في الاستحقاقات التي بين الكنيسة وحكم العسكر، في إطار مساحة متفق عليها، تقبل الزيادة والثبات نوعا ما، وجاءت ثورة يناير، ورأينا موقف الكنيسة الرسمي من مبارك، التي ظلت تصدع رؤوس الجميع بأنها مضطهدة، وأن الأقباط في مصر مضطهدون، وأنهم، وأنهم، ولكن عندما جد الجد، وهدد عرش مبارك بالزوال، دافعت عن حامي مصالحها.

وبعد تنحي مبارك وفي فترة تولي المجلس العسكري مقاليد أمور مصر، وحدوث مجزرة ماسبيرو، والتي قام بها العسكر بوضوح، ومع ذلك قايضت الكنيسة بدماء أبنائها، لصالح العسكر، لأن سر كل منهما مع الآخر، وهو اتفاق مبرم، أشبه بالزواج الكاثوليكي الذي لا طلاق فيه، فالمهم لديها مخصصات الكنيسة السياسية والدينية، فهل رأيتم على مدار تاريخ مصر المعاصر موقفا واحدا للكنيسة مع حق الشعب ضد الحاكم العسكري المستبد؟ للأمانة العلمية ولا المؤسسة الدينية الإسلامية، لأنها ببساطة يعين شيخها ومفتيها عن طريق العسكر، وبابا الكنيسة لا يختار كذلك بعيدا عن رضا العسكر.

فلا أدري علام تعجب المتعجبون من موقف البابا تواضروس وقساوسته من حشد المسيحين في أمريكا لمساندة السيسي؟!! فهذه الكنيسة تتناغم وتتماهى تماما مع حكم العسكر.

أضف تعليقك