• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانية واحدة

لا شيء في مصر، منذ وقوع الانقلاب العسكري، يدعو للدهشة، فالأيام في عهده حبلى يلدن كل عجيب، ومع هذا فقد لفت انتباهي الاتهام الذي وجهته المحكمة لعدد من المتهمين بسرقة وثائق!

قانون العقوبات المصري يعرف هذا الاتهام، لاسيما في الباب الخاص بالجنايات والجنح المضرة بأمن الحكومة من جهة الخارج، فالمادة (77) فقرة (د) تقرر عقوبة السجن لجملة من الاتهامات من بينها "كل من أتلف عمداً، أو أخفى أو اختلس، أو زور أوراقاً، أو وثائق وهو يعلم أنها تتعلق بأمن الدولة أو بأية مصلحة قومية أخرى"، لتتحول العقوبة إلى السجن المشدد إذا ارتكبت في زمن الحرب!

لفت الانتباه هنا، دون إثارة الدهشة، هو لأن الاتهام باختلاس وثائق طال الرئيس محمد مرسي، كما طال عدداً من المتهمين، من بينهم ثلاثة صحفيين، فكيف اختلسوا هذه الوثائق؟.. ومن كانت في حوزته فامتدت يد الرئيس لتختلسها، وهل قام الدكتور محمد مرسي بسرقتها؟، ثم قام الصحفيون الثلاثة بعد ذلك بالسطو على المكان الذي احتفظ به بهذه الوثيقة، أو الوثائق، وقاموا بدورهم بسرقتها، على قاعدة "السارق يُسرق ولو بعد حين"؟!

المحكمة، أوقعت على الرئيس عقوبة السجن على مجرد السرقة، وبرأته من الاتهام بالتخابر لصالح قطر، والمعنى أنه فقط اكتفى بالسرقة، في حين أن ثلاثة من المتهمين كانت عقوبتهم السجن، بجانب "الإعدام شنقاً" لأنهم تخابروا مع ثلاثة آخرين من المتهمين مع قطر، ويلاحظ أن هؤلاء الستة، ليس من بينهم واحد ضمن الطاقم الرئاسي للرئيس، لأن وجود متهمين من الموظفين بالقصر الجمهوري ضمن المتهمين بالتخابر، كان سينفي واقعة "السرقة" أو "الاختلاس" عن هؤلاء الثلاثة، ويصبح الموضوع دائراً في فلك التخابر مع جهة أجنبية لا يوجد من بين المتهمين من ينتمي إليها!

فالستة المحكوم عليهم بالإعدام، الأول يعمل منتجاً للأفلام الوثائقية، والثاني مضيفاً بمصر للطيران، والثالث معيداً بإحدى الجامعات الخاصة، والرابعة صحفية في موقع "رصد"، أما الخامس فعمل معد برامج سابق بقناة الجزيرة، والسادس كان يشغل مدير الأخبار بقناة "الجزيرة" وقت ارتكاب الجريمة!

ليس من بين المتهمين أجنبياً واحداً سوى المتهم الخامس، فهو أردني الجنسية، وباقي المتهمين هم مصريون، ليكون "زيتنا في دقيقنا"، مع أن القضية هى التخابر مع قطر!

ولأن الصحفيين الثلاثة اتهموا مع الرئيس باختلاس وثائق، فهل معنى هذا أنهم ومعهم الرئيس شكلوا تنظيماً عصابياً تسحب على أطراف أصابعه ذات ليلة غاب فيها القمر، حتى لا يشعر بهم أحد ومن ثم اختلسوا هذه الوثائق؟.. ليطرح هذا سؤالاً عن الجهة التي قاموا بالسطو عليها وسرقوا منها هذه الوثائق، ولماذا لم يقدم أحد من المنتمين لهذه الجهة، للمحاكمة بتهمة الإهمال الجسيم الذي نتج عنه أن تمكن أربعة من اللصوص غير المحترفين، ولا يوجد في ملف خدمتهم "سابقة أعمال" في مجال السرقة والاختلاس، من سرقة وثائق تتعلق بأمن الدولة المصرية وبالمصالح القومية للبلاد؟!

ولماذا لا يكون وجود هذه الوثائق في "حوزة" رئيس الدولة أمراً طبيعياً، إلا إذا كان الكلام الذي قاله وكيل جهاز المخابرات السابق اللواء "ثروت جودة" صحيحاً من أنهم كانوا يتعمدون تضليل الرئيس ومده بوثائق مزورة، على نحو يجعل من الجهاز في حالة عداء مع الرئيس تؤكد بطلان تحرياته التي قام بها، وتم اعتمادها لتشكل يقين المحكمة، على النحو الذي دفعها أن تصدر أحكامها بإجماع الآراء، فلم يتم القبض على المتهمين متلبسين بجرمهم، ولم يعترفوا بجريمتهم، والتحريات فقط هى التي أثبتت عليهم الجرائم  المتهمين بارتكابها، ومن بينها "سرقة الوثائق"، فضلاً عن التخابر مع جهة أجنبية

الأصل في الأحكام الجنائية أنها تقوم على الجزم واليقين وليس على الشك والتخوين، فهل في "التحريات" ما يمثل قرينة معتبرة؟

هذا ليس موضوعنا، لكن تصريح "ثروت جودة"، يؤكد أن الجهة التي قامت بالتحريات ليست محايدة، فضلاً عن أن شهادة رجال الدولة لا ترقي لمرتبة القرينة، والتي قال رئيس المحكمة في بيانه السياسي، أن المحكمة اطمأنت لشهادتهم، فهل يصلح هؤلاء للحكم على رئيس هم أنفسهم من عزلوه، واختطفوه، قبل أن يسجنوه؟!

ما علينا، فلو اقتطع القاضي مساحة من وقت خطابه لعرض تفاصيل عملية السرقة والسطو، لكان خيراً له، بدلاً من الإسهاب في الخطاب الإنشائي عن قيمة الوطن وكيف أن من هان عليه وطنه هان عليه عرضه وشرفه، وكأن من بين المتهمين من باع "تيران" و"صنافير" للمملكة العربية السعودية.

ومعلوم أن التشريع المصري يفرق بين "السرقة و"الاختلاس"، فالمختلس لابد وأن يكون موظفا عاما، وهو إن كان اتهاماً يصلح مع الرئيس محمد مرسي، فإنه لا يجوز مع الآخرين، الذين يصلح في حالتهم تكييف الاتهام على أنه "سرقة وثائق"، وأركان جريمة السرقة في القانون تتمثل في أنها لابد أن تقع ليلاً، وأن تكون من شخصين أو أكثر، وأن يوجد مع السارقين أو واحد منهم أسلحة ظاهرة أو مخبأة!

الأمر الذي يعني أن الصحفيين الثلاثة تسللوا ليلاً، وكان معهم أو مع أحدهم أسلحة، وقاموا بالسطو على الجهة التي تمتلك الوثيقة وسرقوها، فما هى هذه الجهة؟!

بالبحث والتنقيب أمكن لنا التوصل إلى "جسم الجريمة"، فإذا هى وثيقة وليست وثائق، وقد عرضتها قناة "الجزيرة" للمناقشة، ورغم أنها من أكثر من ثلاثين صفحة، فإن ما اهتمت بعرضه هو الجانب الخاص بالموقف من حركة حماس، حيث الحديث عن ضرورة التعاون بين الأجهزة الأمنية والحركة لضبط الحدود، وتوثيق العلاقة مع بدو سيناء، وهى "وثيقة" تحدد موقف المخابرات الحربية قبل الانقلاب العسكري، وليس فيما أعلن ما يضر بموقف مصر الحربي أو الاقتصادي، فربما يضر بموقف السيسي وإعلامه!

فقد أخذ النظام الانقلابي على عاتقه مهمة تشويه حركة حماس وشيطنتها باعتبارها تقوم بأعمال تهدد الأمن القومي المصري، وهذه مهمة كان يقوم بها مبارك وتبنتها الثورة المضادة منذ اليوم الأول لثورة يناير واستمرت طوال الوقت، وهي خدمة تقدم لصالح إسرائيل ولتشويه الثورة!

مما جاء في "بيان" رئيس المحكمة، أن المتهمين سربوا للجهة التي يتخابرون معها، بيانا بأعداد الجيش المصري في سيناء، وتسليحه، وحركته، وكأن هذا سر حربي، مع أنه منصوص عليه في معاهدة السلام مع إسرائيل، وهو معلوم للعدو قبل الصديق!

ما علينا، فهذا الحكم تعامل فعلاً مع الصحافة على أنها جريمة، ذلك بأن من حق الصحفي حيازة المستندات والوثائق، السري منها والمعلن، وليس من سلطة أحد أن يحاسبه على وجود وثائق ما في حوزته، أو سؤاله عن مصدرها، ولكن على أي جهة أمنية أن تحمي وثائقها من السرقة، والاستيلاء، والاختلاس، والسطو المسلح، فإذا تسربت وثائقها فلا يجوز لها أن تمسك في الغير، ولكن عليها أن تبحث في الثغرات التي مكنت هذا الغير من الوصول إلى ما هو "سري للغايةّ!

وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فقد حدث قبل ربع قرن أن سافر وفد من الصحفيين المصريين، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن برنامج للتدريب بين هيئة أمريكية ونقابة الصحفيين المصرية، كان المدرب وهو واحد من كبار الصحفيين، يتحدث عن أن دور الصحفي هو الكشف، ودور الأجهزة الأمنية هى التغطية والتعتيم، وأن الصحفي إذا ما وقعت في يده وثيقة مهمة فدوره كصحفي أن ينشرها دون أية اعتبارات، فهو محكوم باعتبار واحد وهو حق القارئ في المعرفة، فالمعلومة ملك لهذا القارئ.

بدت الدهشة على وجوه صحفيين قدموا من بلاد يحكمها العسكر وقد نشروا ثقافتهم الاستبدادية فيها حتى صارت تردد على أنها جزء من الكتاب المقدس. لقد قالوا لمحاضرهم "واعتبارات الأمن القومي"؟.. فأجابهم: "ليس هذا دوري" وبعد سجال بين ثقافتين، قال الصحفي الأمريكي إن النشر سيخدم حتماً الجهات الأمنية، فتعلم أن ما احتوته وثيقتهم المنشورة، لم يعد أسراراً، وأن كونها وصلت للصحفي فإن هذا قد يعني أنها وصلت للأعداء، فالنشر مفيد!

"الوثيقة" جسم الجريمة في قضية "التخابر مع قطر" ليس فيها ما يضر بالمصالح المصرية،  أو اعتبارات الأمن القومي المصري، لكنها تضر بالسيسي الذي يعتبر شيطنة "حماس" لصالح إسرائيل من مقتضى الواجب الوظيفي، وتقديم "البدو" على أنهم ينصح بالتعامل معهم في الوثيقة وفهم خصوصياتهم، يدمر رسالته في تخوينهم مما يعطيه المبرر لمخطط تدمير سيناء لتعش إسرائيل "الأمان" الذي يتبناه هو لتحقيق "السلام الدفيء"!
لقد أضرت الوثيقة بمركز السيسي، وليس بالمركز المصري الحربي!

أضف تعليقك