• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانية واحدة

بقلمِ: عامر شماخ

رغم حجم الهزل الذى تضمنته شهادة المخلوع أمام المحكمة؛ فإن هناك أمورًا تستدعى الألم والحسرة على ما آلت إليه أحوال البلد؛ فلم تنعقد المحكمة إلا لإدانة الثوار، ثوار 25 يناير، وإن كان المتهمون فى القفص هم أعضاء جماعة الإخوان المسلمين. ومن ثم فإنها منعقدة لمحاكمة الشعب كله الذى فجر ثورته على ذلك الشاهد الذى أتى بعد ثماني سنوات من قيامها معززًا مكرّمًا متهمًا الشرفاء ببث الفوضى ونشر التخريب.

إذًا الأمر كله لا يعدو أن يكون تمثيلية هزلية، لكنها تحمل من الأسى ما لا تحمله الجبال الرواسى؛ فمن يحاكم من؟! ولماذا هذا التوقيت؟! ولماذا يتم التأجيل والنطق بالحكم إلى يوم 24 يناير المقبل؟! إلا أن يكون الغرض تشويه الثورة والثوار وقد اقتربت ذكرى الثورة، ومحاكمة كل من خرج على هذا الشاهد الذى ارتكب من الجرائم ما يستحق عليه الإعدام، وفى الوقت نفسه أرادوا تشويه الإخوان، وأدوات التشويه جاهزة؛ فالذين دمروا البلد ونشروا الفوضى وأشعلوا النيران فى أقسام الشرطة وقتلوا عناصر الداخلية؛ أجانب من حماس وحزب الله، وهو ما يستدعى التعاطف مع الشاهد المتهم ومع النظام العسكرى القائم، ويصب –فى المقابل- اللعنة على الثوار وعلى رأسهم الإخوان المسلمون، وكيف لمصرى حر بعد هذه (الدراما) أن يحتفل بالثورة فى عيدها الثامن؟! فإنها لم تكن مصرية ولم تكن أهدافها مخلصة، بل قامت بها عناصر خارجية لتخريب البلد ونشر الفوضى بين ربوعه.

ولو حصحص الحق لانعقدت المحكمة لإصدار حكم عادل بإعدام هذا الشاهد، الذى لو نسى الناس جرائمه فلن ينساها التاريخ، رغم وقوفه اليوم موقف البرىء العفيف؛ فلن ينسى التاريخ أنه بقى فى الحكم ثلاثين عامًا ذليلًا للأمريكان والصهاينة، وأنه عرّض الأمن القومى المصرى للخطر، وسخر الأجهزة الوطنية المختلفة لحماية سلطته، وقضى سنى حكمه إرهابيًا مستبدًا ديكتاتورًا لا يسمح لأحد بالنقد أو الاعتراض، وكان التعذيب سياسة دولته حتى عُدّت معتقلاته أسوأ من معتقلات (أبو غريب)، وهل ينسى التاريخ أن أيامه كلها كانت طوارئ؟ وأن أقسام الشرطة فى عهده صدق عليها المثل السائر: (الداخل مفقود والخارج مولود)؟ وهو صاحب السجل الحافل بتزوير الانتخابات وممارسة العنف ضد المعارضة، وهو من أطلق البلطجية لنهش المجتمع وقد أسس منهم جيشًا لمساندة الشرطة، وهو من عقد المحاكمات العسكرية لسجن الشرفاء، وهو من زرع الفقر فى ربوع المحروسة، وسحق البسطاء، وفاقم البطالة، ودمر الزراعة، ونشر العشوائية، وقتل المصريين بالمبيدات المسرطنة.

أليس هذا كافيًا لمحاكمة هذا الشاهد الكذوب الجبان المنافق العميل؟ وأليس كافيًا أن يكون هو فى القفص والثوار فى موضعه؟ وأن يشهد الجلسة الشعب كله، وأن يكون هو القاضى بدل القاضى الذى يناديه بـ(حضرتك) و(سيادتك) وينادى الرئيس الشرعى باسمه مجردًا وبنبرة لا تخلو من غيظ وغل، ويأذن للمجرم بالاستعانة بآخرين للإجابة عن أسئلته، وهذه -فى الحقيقة- أول مرة أسمع فيهاعن قاض ينتظر الإذن من أصدقاء المتهم للفصل بينه وبين الآخرين.

هذه شهادة من لا تُقبل شهادته أبدًا، وهذه ليست جلسة محاكمة، بل هى (قعدة) إدانة مغلفة ظاهريًا بأدوات وعناصر المحكمة، وحكمها معلوم قبل النطق به؛ ما يثير الغثيان والاشمئزاز، ويثير كذلك الشفقة على بلد ضاع على يد هؤلاء السفهاء، وتلك عينة من سلوكهم وفعلهم، فهل ننتظر منهم خيرًا؟ وهل نتوقع نهوض البلد الذى يُحارَب أخياره ويُمدَح أشراره؟ اللهم لا؛ فإن من يقبعون خلف القضبان ليسوا هم من أغرقوا البلاد فى الديون، ولا خرّبوا التعليم، ولا أهدروا كرامة المصريين فى الخارج، ولا أفسدوا الحياة السياسية، ولا عبثوا بالدستور. إن الذى فعل ذلك كله هو شاهد الزور الذى ادّعى عليهم أشياء لم يفعلوها؛ بل هو الذى أجبر الناس للخروج عليه، ولم يكن يرعوى لنصح ناصح. فمن غيره تولى حزبًا فاسدًا أضر بالبلاد والعباد؟ ومن صنع كتائب من الإعلاميين الكاذبين للدفاع عن نظام حكمه البائس؟ ومن غيره حارب الهوية الإسلامية؟ ومن أطلق العنان لأبنائه وزوجه لنهب ما خف حمله وغلا ثمنه من كنوز وآثار البلد؟ ومن أفقد مصر دورها الإقليمى ومكانتها التاريخية؟ ومن فرّط فى النيل؟ ومن باع القضية الفلسطينية؟ ومن سعى لتقسيم السودان؟ إنه ذلك الشاهد الذى نسى الله فأنساه نفسه حتى ختم حياته بهذا الزور وذلك البهتان.

أضف تعليقك